محمد بن جرير الطبري
49
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ثني حجاج ، قال : قال ابن جريج : قال إبراهيم : أتهلكونهم إن وجدتم فيها مئة مؤمن ثم تسعين ؟ حتى هبط إلى خمسة . قال : وكان في قرية لوط أربعة آلاف ألف حدثنا محمد بن عوف ، قال : ثنا أبو المغيرة ، قال : ثنا صفوان ، قال : ثنا أبو المثني ومسلم أبو الحبيل الأشجعي قالا : فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ إلى آخر الآية ، قال إبراهيم : أتعذب عالما من عالمك كثيرا فيهم مئة رجل ؟ قال : لا وعزتي ولا خمسين قال : فأربعين ؟ فثلاثين ؟ حتى انتهى إلى خمسة . قال : لا وعزتي لا أعذبهم ولو كان فيهم خمسة يعبدونني قال الله عز وجل : فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي لوطا وابنتيه ، قال : فحل بهم من العذاب ، قال الله عز وجل : وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ وقال : فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ والعرب لا تكاد تتلقى " لما " إذا وليها فعل ماض إلا بماض ، يقولون : لما قام قمت ، ولا يكادون يقولون : لما قام أقوم . وقد يجوز فيما كان من الفعل له تطاول مثل الجدال والخصومة والقتال ، فيقولون في ذلك : لما لقيته أقاتله ، بمعنى : جعلت أقاتله . وقوله : إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ يقول تعالى ذكره : إن إبراهيم لبطيء الغضب متذلل لربه خاشع له ، منقاد لأمره ، منيب رجاع إلى طاعته . كما : حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي يحيى ، عن مجاهد : أَوَّاهٌ مُنِيبٌ قال : القانت : الرجاع وقد بينا معنى الأواه فيما مضى باختلاف المختلفين والشواهد على الصحيح منه عندنا من القول بما أغنى عن إعادته . القول في تأويل قوله تعالى : يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا يقول تعالى ذكره مخبرا عن قول رسله لإبراهيم : يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وذلك قيلهم له حين جادلهم في قوم لوط ، فقالوا : دع عنك الجدال في أمرهم والخصومة فيه ، إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ بعذابهم ، وحق عليهم كلمة العذاب ، ومضى فيهم بهلاكهم القضاء . وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ يقول : وإن قوم لوط نازل بهم عذاب من الله غير مدفوع . وقد ذكر الرواية بما ذكرنا فيه عمن ذكر ذلك عنه . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ يقول تعالى ذكره : ولما جاءت ملائكتنا لوطا ، ساءه مجيئهم . وهو سئ " فعل " من السوء ، وضاق بهم بمجيئهم ذرعا يقول : وضاقت نفسه غما بمجيئهم ، وذلك أنه لم يكن يعلم أنهم رسل الله في حال ما ساءه مجيئهم ، وعلم من قومه ما هم عليه من إتيانهم الفاحشة ، وخاف عليهم ، فضاق من أجل ذلك بمجيئهم ذرعا ، وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عن أضيافه ، ولذلك قال : هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله : وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً يقول : ساء ظنا بقومه وضاق ذرعا بأضيافه حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، عن حذيفة أنه قال : لما جاءت الرسل لوطا أتوه وهو في أرض له يعمل فيها ، وقد قيل لهم والله أعلم : لا تهلكوهم حتى يشهد لوط قال : فأتوه فقالوا : إنا متضيفوك الليلة فانطلق بهم ، فلما مضى ساعة التفت فقال : أما تعلمون ما يعمل أهل هذه القرية ؟ والله ما أعلم على ظهر الأرض أناسا أخبث منهم قال : فمضى معهم ، ثم قال الثانية مثل ما قال ، فانطلق بهم ، فلما بصرت بهم عجوز السوء امرأته ، انطلقت فأنذرتهم حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قال : قال حذيفة ، فذكر نحوه . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا الحكم بن بشير ، قال : ثنا عمرو بن قيس الملائي ، عن سعيد بن بشير ، عن قتادة ، قال : أتت الملائكة لوطا وهو في مزرعة له ، وقال الله للملائكة : إن شهد لوط عليهم أربع شهادات فقد أذنت لكم في هلكتهم . فقالوا : يا لوط إنا نريد أن نضيفك الليلة ، فقال : وما بلغكم من أمرهم ؟ قالوا : وما أمرهم ؟ قال : أشهد بالله إنها لشر قرية في الأرض عملا يقول ذلك أربع